
عالَم غير موجود
قصّة قصيرة - سورياليّة
للأديب د. جميل الدويهي
إنّه يعيش على حافّة الحقيقة، على طرف هاوية.
أشياء كثيرة لا تحدث من حوله ويصدّقها، وأشياء أخرى تحدث ولا يصدّقها.
بدأ الأمر بسيطاً، مثل كلّ ولادة، من الصغر إلى الكبر، وليس العكس. وهو يتمنّى دائماً أن يولد كبيراً ويصغر إلى عمر لا ينتهي، حتّى يصير حبّة رمل، ذرّة في الكون، حياة مجرّدة من الشكل، لا تُرى.
يعتقد هو أنّ العالم خطأ. كلّ المدن، والمباني، والشوارع، والقطارات، والناس، نتجوا عن خلل ما حدث في بداية الكون...
يوماً بعد يوم كبرت أوهامه، فبينما كان الناس ينظرون إلى طائر السنونوّ وهو يعبر فوق حديقة، ويفرحون بقدوم الربيع، كان هو يرى أنّ السنونوّ لديه قوّة جاذبيّة، تسمح له بأن يكون بين الأرض والسماء، أمّا الفضاء فليس فراغاً كما يتوهّمون، بل هو مساحة من الزيت، لكنّها تعلو عن قدرة البشر، فلا يفهمونها، ولا يعرفون البتّة أنّ الطيور لا تطير بل تتزحلق على الزيت. أمّا السنونوّ نفسه فعلامة على الشتاء المقبل.
الشوارع التي يسير عليها الناس، خرجت من صباغ الأحذية، ومن شاشات التلفزة، لذلك هي سوداء، وتلمتع فوقها أضواء مبهرة تمتدّ لأميال. والنساء لا يرتدين أقمشة، بل أجنحة الوطاويط التي قتلها الرجال للتضحية من أجلهنّ. وما تزال في الأجزاء الطائرة من الفساتين، ارتعاشات الموت الأوّل، إرضاء لكحل العيون.
كم هو متضايق من الألفاظ نفسها تتكرّر على ألسنة البشر: تحيّات، أسئلة، ثرثرة في أيّ موضوع، أكاذيب عن الأسْرة والعمل ومواعيد الذهاب والإياب. كلّهم يحتالون لكي يهربوا من السأم. والغيوم فوقهم بأشكال غريبة: أغنام داكنة، وحوش برّيّة، حيتان قفزت من البحر، وتجمّدت بفعل الحرارة المنخفضة. وعندما تشرق الشمس من نافذة مفتوحة بالصدفة، تكون قد نجحت في خدعة ما، لتعبر بين الأشداق من غير أن تتهشّم في جزء منها.
إنّه الآن يرتّب أشياءه في حقيبة، ويرشّ العطر على بذلته الرماديّة. فموعده مع المحكمة في الساعة العاشرة صباحاً. لقد تورّط في مشكلة لم تكن في الحسبان: وجدوا طفلاً ميتاً في بركة السباحة وراء منزله. كانت البركة مسيّجة من الجهات الأربع، ولا يمكن لأحد أن يصل إليها من غير مفتاح. فكيف حدث أن غرق فيها أحد؟ ومن هو الطفل الذي لم يعثروا على هويّته، وليس له أب ولا أمّ؟
خمس سنوات مضت، وهو ما زال يذهب إلى المحكمة ويعود منها. والجميع يسألونه: هل الطفل ابنه من علاقة آثمة، مع امرأة غير آثمة؟
شرب فنجان قهوته على عجل، وكان يعرف أنّ في داخل الفنجان عاصفة رعديّة، وقبائل متحاربة... وأبطالاً من عهد الفراعنة يقتتلون بالرماح والفؤوس.
وبينما كان يعبر المسافة القصيرة بين منزله ومحطّة القطار، صرف النظر عن العيون الجائعة، والأفواه الصاخبة، والسيّارات العابرة، ورجل شرطة غاضب من الفوضى... كلّهم من الوهم.
وقف على رصيف المحطّة. ونظر إلى ساعة يده، ثمّ بدهشة إلى القطار الذي تباطأ وانفتحت أبوابه. كان القطار خالياً، ما عدا الصوت والصدى، ونشيج الحديد. وعلى المحطّة نفسها لم يكن سوى بضعة من الناس يحملون مظلاّت تحت مطر من النحاس. انفتح باب القطار، فمدّ رجله الطويلة إلى داخله، لكنّه سقط عن الرصيف في الفراغ، واستقرّت خاصرته على السكّة الفارغة من أيّ مضمون. صرخ بقوّة. لقد انكسر ضلعه المصنوع من موادّ رخيصة. بلاستيك أو خشب مضغوط... خطأ في التركيب. غشّ في الصناعة والتجارة. هرعت سيّارة إسعاف وركض مسعفون، فأقاموه عن السكّة، قبل أن يأتي القطار فعلاً ويعبر في وسطه.
من داخل الألم، سمعهم يقولون: غريب! كيف أراد أن يصعد إلى القطار، وهو غير موجود؟
_____
الدكتور جميل الدويهي: مشروع "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي
النهضة الاغترابيّة الثانية - تعدّد الأنواع.